الرئيسية | دراسات | نشوء الدولة السورية و تطوُّرُها

نشوء الدولة السورية و تطوُّرُها

إدريس عمر_كاتب وباحث كردي سوري

يجري الحديث كثيراً عن راهن ومستقبل سوريا. تختلفُ الآراء حول طبيعة سوريا كدولة ودستور، وأحياناً تتناقض، لجهة الموقف من هويّة الدولة، وشكل إدارتها، وكيف يمكن أن تكون سوريا دولة مواطنة حرّة، تقف على نفس المسافة من المكوّنات الاجتماعيّة القوميّة والدينيّة والمذهبيّة السوريّة، أم تكون دولة – أمّة، ونسخّة معدّلة عن الدولة التي أداتها سلطة البعث منذ 1963 ولغاية الآن؟. وبهدف استجلاء التاريخ الحديث لسوريا الدولة والمجتمع، تتناول هذه الورقة البحثية، تطوّر الكيان السوري منذ نهايات الحقبة العثمانيّة، مروراً بالانتداب الفرنسي، وصولاً للاستقلال، والأحداث التي شهدتها سوريا عبر هذه الحقب الثلاث. تمهيداً لأوراق بحثيّة أخرى تتناول سوريا الدولة والمجتمع، بهدف بلورة تصوّر عام عمّا جرى، كتوطئة لفهم ما يجري حاليّاً، وما يفترض أن يكون الحال عليه، لطيّ الأزمة وإبطال مفاعيلها.

أتت سوريا مثل غيرها من البلدان العربية، تحت ظل الامبراطورية (الدولة) العثمانية، وباتت جزءاً منها. حيث استمرت سيطرتها على البلاد مدة أربعة قرون (1516-1916). وشهدت سوريا خلالها تراجعاً كبيراً في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ضاقت فيها الشعوب العربية ذرعاً بالعثمانيين وجرائمهم، نتيجة سياسة التتريك وتردي الوضع الاقتصادي، والمجازر التي قام بها جمال باشا السفاح، والاعدامات التي نفذها بحق زعماء النهضة العربية في سورية ولبنان. ووجدت الشعوب العربية الفرصة أمامها مع ترنح الإمبراطورية العثمانية بفعل الحرب العالمية الأولى وهزيمتها أمام الحلفاء، وتقدمت فرنسا وبريطانيا لتقاسم مناطق النفوذ من تركة “الرجل المريض”.

حرضت بريطانيا العرب على القيام بثورة ضد الحكم العثماني. “وسرعان ما أعلن هؤلاء ثورتهم الكبرى في 10  حزيران عام (1916) التي انطلقت شرارتها من مكة المكرمة بقيادة أميرها الشريف حسين بن علي وبمساعدة من القوات الإنكليزية، يحذوه الأمل باستبدال السلطة التركية بالزعامة الهاشمية لعائلته، بناءً على الاتفاقيات المعقودة بينه وبين البريطانيين، وهي الاتفاقيات المعروفة باسم مراسلات “ماكماهون- الحسين”[1]، وتَعِدُ الهاشميين بفرصة إقامة دولة عربية ثمناً لدورهم في قيادة الثورة العربية ضد العثمانيين”.[2].

حاول العثمانيون قمع الثورة بوحشية، وفي السادس من آيار (مايو) من عام (1916) علقت المشانق في دمشق وبيروت للعشرات من الزعماء الوطنيين السوريين، الذين اتهموا بالعمل على استقلال البلاد العربية. ووقف العرب إلى جانب الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وروسيا) ضد دول المحور(ألمانيا وتركيا واليابان) وفي عام (1918) ودخلت الجيوش العربية، الملحقة  بجيوش الحلفاء بقيادة ابن الحسين، دمشق وطردت الأتراك منها، وعرف الشعب ذلك العام بعام (الشريف). وأعلن استقلال سوريا الشكلي لأول مرة في الثامن من آذار عام (1920) من خلال مؤتمر ضم مندوبين عن أقطار بلاد الشام الأربعة، ونصب الأمير فيصل الأول ابن الشريف حسين ملكاً عليها. وأعلن المؤتمر تطلعه إلى تحرير العراق وإقامة اتحاد معه.

جاء في مقدمة إعلان الاستقلال: “إن الأمة العربية ذات المجد القديم لم تقم جمعياتها وأحزابها ولم ترق دماء شهدائها ولم تَثٌر ضد الأتراك إلا طلباً للاستقلال التام”[3]، ولتظهر دولة سوريا إلى الوجود قامت حكومة وطنية في سوريا، وعين رضا الركابي كأول رئيس للوزراء.

وقبل نهاية الحرب العالمية الاولى، عقدت فرنسا وبريطانيا اتفاقية “سايكس – بيكو” السرية وبمصادقة الإمبراطورية الروسية عام (1916). كان الاتفاق تفاهماً حول اقتسام أراضي بلاد الشام بين فرنسا وبريطانيا، لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الامبراطورية العثمانية المسيطرة على هذه المنطقة، في الحرب العالمية الاولى. تم التوصل إلى هذه الاتفاقية في 16 أيار عام (1916) بعد محادثات سرية بين ممثل بريطانيا مارك سايكس وممثل فرنسا جورج بيكو، وكانت على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القصيرية آنذاك. تم الكشف عن الاتفاق بوصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام (1917)، وادعت بريطانيا حينها أن الاتفاقية ألغيت بعد دخول العرب الحرب إلى جانب الحلفاء.[4]. إلا أن اتفاقية “سايكس – بيكو” دخلت حيّز التنفيذ في نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما أعدّت الدول الاستعمارية عدتها لتحصين وضعها العسكري وتحويلها إلى سيطرة سياسية، كما ظهر جلياً في مؤتمر “سان ريمو”، الذي انعقد بتاريخ 25 نيسان من عام (1920)، والذي تلخصت مقرراته بما يلي:

1– وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي.

2– وضع العراق تحت الانتداب البريطاني.

3– وضع فلسطين وشرقي الاردن تحت الانتداب الإنكليزي مع الالتزام بتنفيذ وعد بلفور.[5].

أعتقد أن اتفاقية “سايكس – بيكو” ومقررات “سان ريمو” كانت ضد إرادة شعوب المنطقة كلها. وكان الشعب الكردي الخاسر الاكبر من الاتفاقية، وأصبحت القضية الكردية أكثر تعقيداً، بل أصبحت من المعضلات الدولية. حيث أصبح جنوب كردستان، بموجب هذه الاتفاقية، ضمن خارطة العراق، غربها ضمن خارطة سوريا، وشمالها ضمن خارطة تركيا، بينما بقي شرقها على وضعه ضمن خارطة إيران. لأن اتفاقية “سايكس – بيكو” لم تشمل إيران. وكرّست الدول الاستعمارية هذا التقسيم لكردستان ودول الشرق الاوسط في مؤتمر “سان ريمو”. كما أثارت مقررات هذا المؤتمر السخط والغضب في أوساط الوطنيين العرب، وخاصة في سوريا مما أدى إلى استقالة حكومة الركابي، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة هاشم الأتاسي، وتسلم يوسف العظمة وزارة الدفاع فيها. واتبعت هذه الحكومة نهج المواجهة مع الاحتلال، وشجعت الثوار في الشمال والساحل، وتمدهم بالمؤون والذخائر. كما أصدرت قانوناً يفرض التجنيد الإلزامني للاسراع ببناء جيش وطني.

بناء على ذلك، سارعت القوات الفرنسية إلى التحرك لقطع الطريق على أي إنجاز وطني يرسخ استقلالية الدولة السورية الوليدة. وفي 14 تموز أصدر الجنرال غورو إنذاره الشهير، الذي طالب بتسليم محطة رياق للسكة الحديدية للسلطة العسكرية الفرنسية، وإلغاء التجنيد الإجباري وقبول الانتداب الفرنسي بدون شروط. ورغم أن الحكومة السورية، التي كانت تدرك الفرق في موازين القوى العسكرية، فاستجابت للإنذار، إلا أن غورو احتج على تأخر كتاب الموافقة لمدة نصف ساعة. وبدأ بالزحف نحوَ دمشق، حيث اصطدم بالجيش السوري الفتي الذي كان يقوده وزير الدفاع السوري يوسف العظمة في ميسلون في 24 تموز عام (1920)، ودارت معركة غير متكافئة لعدة ساعات استشهد فيها وزير الدفاع السوري. وأبرز من قاتلوا واستشهدوا في ميسلون كانوا من علماء المسلمين، الذين اعتقدوا أن الاشتراك في ميسلون فريضة جهاد مقدّس، يجب أن يؤديها المسلم، منهم فضيلة الشيخ كمال الخطيب والشيخ محمد توفيق الدرة والشيخ ياسين بن نجيب كيوان و عبدالقادر كيوان[6] وغيرهم.

وبعد أن فرض الجنود الفرنسيون مطالبهم عنوة، طردوا فيصلاً من دمشق في 25 تموز عام (1920) بعد دحرهم جيشه في معركة ميسلون. ودخل (غورو) دمشق وذهب إلى قبر صلاح الدين، ضرب الأرض بقدمه قائلاً: “ها نحن عدنا ياصلاح الدين.”.[7]

وعندما طردت فرنسا فيصل من دمشق، لم يذهب إلى موطنه في الحجاز رجلاً مهزوماً، وإنما توجه إلى مؤتمر السلام المعقود في باريس نيابة عن أبيه. فلما وصل إلى مرسيليا استقبله ضابطان فرنسيان مُرَحِّبَيْنِ به باسم الحكومة الفرنسية كزائر لفرنسا، وليس كممثل ذي صفة رسمية، فصعق فيصل من ذلك. ولم يستطع حضور جلسات مؤتمر الصلح، فغادر إلى لندن. وبعد جهد كبير ووساطة بريطانية سمحت فرنسا له بالذهاب إلى باريس ليمثل الحجاز كدولة حليفة في مؤتمر الصلح.

قدم فيصل مذكرة إلى المؤتمر، بسط فيها حق العرب بالاستقلال، ثم ألقى في 6 شباط عام (1919) خطابا أكد فيه حق الشعوب الناطقة بالعربية والقاطنة في آسيا بالاستقلال والوحدة، وندد باتفاقية “سايكس-بيكو”، واقترح أن يعيّن مؤتمر الصلح لجنة تحقيق تزور سوريا وفلسطين للتأكد من رغبات السكان في تقرير مصيرهم. غير أن مؤتمر الصلح قرر أن البلاد العربية لها الحق بالانفصال عن تركيا، ولكنها بحاجة إلى المشورة الادارية ومساعدة دولة وصيّة، تنتدبها عصبة الأمم  للاشراف على شؤونها، وقرر أن لرغبة الشعب المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة. في هذه الاثناء دعا وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل إلى عقد مؤتمر في القاهرة، في 12 آذار (1921)، لبحث مستقبل العراق السياسي، حضره فيصل، الذي زار بريطانيا قبل ذلك، ربما للتمهيد لِما سيقرره هذا المؤتمر من حيث تعيينه ملكاً على العراق.

وبعد انتهاء المؤتمر توجه فيصل إلى الحجاز، حيث مقر والده الشريف حسين، لاطلاعه على قرارات المؤتمر وأخذ موافقته. ثم غادر الحجاز من ميناء جده متوجهاً إلى العراق، وعين ملكاً على عرشه  تحت الحماية البريطانية.[8].

قُسّم الإقليم الخاضع للانتداب الفرنسي إلى عدة وحدات سياسية، وأصدر الجنرال غورو قراراً في 31 آب عام (1920) أوجد بموجبه دولة لبنان الكبير، حيث ضمّ إلى جبل لبنان مناطق طرابلس وبيروت وصيدا ومرج عيون وما يعرف بالأقضية الأربعة، وهي بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا.

” ثم عمد إلى تقطيع أوصال سوريا الطبيعية، فقسمها إلى عدة دول، لتشهد سوريا في عهده، كما في عهود سلطة الحكام والمفوضين الساميين الفرنسيين لاحقاً، حكومات ليست دولاً مستقلة، وهي دولة دمشق (1920) ودولة حلب (1920) ودولة العلويين (1920) ودولة لبنان الكبير (1920) ودولة جبل الدروز (1921)، ولكل منها علم وعاصمة وحكومة وبرلمان وعيد وطني وطوابع مالية وبريدية خاصة”.[9].

وبسبب الرفض الشعبي للتقسيم وعدم الاعتراف به قامت فرنسا في عام (1922) بإنشاء اتحاد فيدرالي فضفاض بين ثلاث من هذه الدويلات، (دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين) تحت اسم ” الاتحاد السوري”، واتُّخِذَ لهذا الاتحاد علم كان عبارة عن شريط عرضي أبيض تتوسطه خلفية خضراء. وفي الشهر الأخير من عام (1924) قرر الفرنسيون إلغاء الاتحاد السوري وتوحيد دولتي دمشق وحلب في دولة واحدة هي دولة سوريا. أما دولة العلويين، فقد فُصِلت مجدداً، وعادت دولة مستقلة بعاصمتها مدينة اللاذقية، كما جُعِل لواء اسكندرون إدارة مستقلة[10].

لقد واجهت فرنسا، منذ بدء نزول قواتها على الساحل السوري لأول مرة، مقاومة عنيفة، تجلّت في ثورات عمّت مختلف المناطق السورية، الأولى بقيادة الشيخ صالح العلي، وشملت كل أنحاء المنطقة الساحلية، من القرداحة وبابنا شمالاً إلى صافيتا جنوباً، مروراً بجبلة وبانياس وطرطوس جنوباً. وكان مركزها قرية الشيخ بدر، التي جعل منها الشيخ صالح العلي حصناً له. أما الثانية، فكانت بقيادة إبراهيم هنانو، وشملت المنطقة الشمالية الغربية بين حارم وكفر تخاريم وإدلب وجبل الزاوية وجسر الشغور جنوباً ومعرة النعمان وأطراف حماة. ولم تتوقف تلك الثورات باستيلاء الفرنسيين في تموز عام (1920) على جميع المدن الداخلية وعلى قسم كبير من البلاد، بل ظلت مشتعلة خلال السنة الأولى من الاحتلال الفرنسي، ولم تتم السيطرة الفرنسية على المناطق الثائرة في صيف عام (1920) إلا باستخدام القوة المفرطة.

ولقد قاوم الشعب الكردي أيضا الاحتلال الفرنسي، وكان له بالمرصاد، وتجسد ذلك في معركة بياندور عام  (1924)، حيث قُتِلَ فيها القائمقام المتعاون مع الفرنسيين، كما قُتِلَ الكابتن روغان، قائد الجند الفرنسي في محافظة الجزيرة.[11]. وعن الموضوع ذاته يقول الدكتور آزاد علي: “أما في الجزيرة السورية: قامت حركات كردية، وكذلك مقاومة منظمة ضد سلطة الانتداب الفرنسي، وكانت أبرزها معركة بياندور وانتفاضة عامودا عام (1937)، وكانت هذه الأخيرة كبيرة لدرجة أنْ قصفت الطائرات الفرنسية مدينة عامودا نفسها، ودمرت أجزاء واسعة منها”[12]

لقد كان وقع الاحتلال  ثقيلاً على المواطنين السوريين بكل مكوناتهم القومية والطائفية والاثنية، الذين بذلوا الكثير للخلاص من نير الهيمنة العثمانية والتمتع بهواء الحرية، وخصوصاً إن الاستعمار الفرنسي ترافق مع جملة من الإجراءات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي اتسمت بالقسوة الشديدة، وهدفت إلى خنق روح الثورة والاستقلال في نفوس أبناء الشعب، بالإضافة إلى هدفها الأساسي القائم على امتصاص خيرات البلاد، ونهب ثرواتها[13]. وانعكس ذلك عكساً بمزيد من الثورات على سلطات الاحتلال. ففي سنة (1922)  بدأت علاقة سلطان باشا الأطرش تسوء مع الفرنسيين بعد اعتدائهم على التقاليد العربية في حماية الضيف، حين اعتقلوا أدهم خنجر، وهو لبناني عاملي اشترك في محاولة اغتيال الجنرال غورو، وحاول الاحتماء بدار سلطان باشا هرباً من الفرنسيين، إلا أنه اعتقل قبل وصوله إلى الدار، وكان سلطان باشا الاطرش خارج قريته يومها. بعد هذه الحادثة التي اعتبرها سلطان باشا الشرارة الاولى لإكمال مشروع المقاومة، جهّز قوة من رجاله، واشتبك مع الفرنسيين في معركة تل الحديد عام (1922)، وكان من نتائجها: ذبح فرقة الضابط بوكسان و محاصرة السويداء وأَسْرُ أربعة جنود فرنسيين.

لجأت فرنسا إلى خديعة المجلس النيابي الذي طلب من سلطان باشا إطلاق سراح الجنود الفرنسيين مقابل إطلاق سراح أدهم خنجر، ولكنها سرعان ما أرسلت أدهم إلى الإعدام في بيروت، ودمرّت منزل الاطرش، فلجأ الأخير والثوار إلى الأردن مؤقتاً، حيث عادوا بعد سنة إلى الجبل، وكان قد اكتسب شعبية كبيرة[14]. توقّفت الثورة مؤقتاً عام (1923)، بعد أن أصدرت السلطات الفرنسية عفواً عن قائدها (سلطان باشا)، إلا أن التدابير الوحشية التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد أبناء الشعب السوري على امتداد الوطن أدَّت إلى نشوب الثورة من جديد، وكانت الشرارة مرة أخرى من جبل العرب، وإشارة بدء انطلاق الثورة السورية الكبرى عام (1925). وعندما أقدمت سلطات الاحتلال على تعيين حاكم فرنسي طاغية، كان أبناء الجبل قد خبروا بطشه وظلمه في مرة سابقة، هو الجنرال كاربيه، الذي باشر بتنفيذ سياسات تهدف إلى البطش بزعماء الجبل ورموزه الوطنية. وعندما أرسل كاربيه جنوده إلى دار سلطان باشا الأطرش ليطلبوا منه موافاة القائد الفرنسي في السويداء، ألقى أبناء الجبل القبض على هؤلاء الجنود، ومالبثت الثورة أن اندلعت في السويداء، وتوالت المعارك الطاحنة في الكفر وقلعة السويداء، وتم القضاء على العديد من الحملات التي حاولت فك الحصار عن القلعة.

وعندما أرسلت السلطات الفرنسية حملة من دمشق على رأسها الجنرال ميشو لتأديب الثوار، تصدى لها رجال الثورة في معركة المزرعة الشهيرة في الثاني والثالث من شهر آب عام (1925)، وقاموا بتشتيت الحملة، وعندها استخدمت قوات الاحتلال الفرنسي كل قواها مستخدمة الطائرات والمدرعات، حيث قصفت 80 قرية في محافظة السويداء من أصل 100، انضمت القبائل العربية المتواجدة في بادية درعا والسويداء إلى رجال الثورة، كما أعلن حزب الشعب السوري بقيادة المناضلين الوطنيين عبدالرحمن الشهبندر ونسيب البكري تأسيس الحكومة الوطنية ومركزها السويداء. وفي 23 آب عام (1925) أصدر سلطان باشا الأطرش منشوره الشهير إلى الشعب السوري والذي أعلن فيه بيان الثورة السورية الكبرى ومطالبها. على إثر هذا البيان التحقت معظم أحياء دمشق بالثورة، وامتد أوارها إلى جبل العرب وجنوب سورية، حيث توالت المعارك الضارية بين مجاهدي الثورة والقوات الفرنسية التي استعملت سياسة الأرض المحروقة في قتالها ضد الثوار، فهدمت البيوت وأحرقت الأراضي الزراعية، وقصفت الطائرات مدينتي دمشق والسويداء. “وفي 3 حزيران عام (1926) حاول الفرنسيون احتلال صلخد بستة آلاف جندي مع الطائرات والمدفعية. وصلخد بلدة صغيرة جدا في ذلك الوقت، فلم يتمكنوا من احتلالها إلا في 25 حزيران. ولما سقطت صلخد، جرت اجتماعات عديدة، ثم في تشرين الأول عام (1926) غادر سلطان باشا الجبل إلى عمان، فوصل إلى شرقي الأردن في 24 تشرين الأول ثم إلى السعودية”.[15]

أعتقد أن الشعب السوري أثبت من خلال مقاومته للاحتلال أنه يمتلك الروح القتالية العالية. وبرز ذلك من خلال الثورات التي أشعلها في معظم المناطق السورية ضد الانتداب الفرنسي، بالرغم من أن أكثرها كانت تحمل الطابع المناطقي أو العشائري أو العائلي. ولكن تضامن المناطق مع بعضها بعضاً يدل على أن الشعب السوري كان متكاتفاً ومتلاحماً، وأن الانتداب كان مرفوضاً، وأن المسائل القومية أو الطائفية أو الاثنية لم تكن تأخذ حيزاً كبيراً في العلاقة بين المكوّنات السورية حينذاك. ولكن السبب في عدم انتصار تلك الثورات هو نقص التنظيم والتخطيط، وطابعها المناطقي. ولو كانت مدروسة أكثر، لوفرت الكثير من الوقت والجهد والخسائر المادية والبشرية، لأن الشعب كان يحمي الثوار ويقدرهم، وفي الوقت نفسه كان الثوار يحترمون عائلات من يضيفونهم ويحمونهم، ولا يعتدون على حرمات من يؤونهم. ورغم عدم تكافؤ القوى والعتاد والأسلحة، واستخدام الفرنسيين كل أنواع الاسلحة الثقيلة ضد الثوار والشعب الثائر، من القصف بالطيران والمدافع والقتل والتدمير، لم يستطع كل هذا أنْ يضعف روح النضال والمقاومة لدى السوريين، لابل ازداد لديهم الاصرار والتصميم للتخلص من الانتداب وإتمام الاستقلال.

ولم يشكل توقف الثورات المسلحة نهاية لنضال الشعب السوري في سبيل الحرية، بل تابع نضاله السياسي من أجل الاستقلال، واتخذ هذا النضال الطابع الفكري والجماهيري من حيث تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية. واستمرت المقاومة من خلال المظاهرات والإضرابات الداعية إلى رحيل المستعمر والحصول على الاستقلال الناجز والكامل. فتشكلت الجمعية التأسيسية التي افتتحت أولى جلساتها في 9 حزيران (1928)، وترأسها هاشم الأتاسي، وقامت باقتراح الدستور، الذي صاغته لجنة يرأسها إبراهيم هنانو. وتألّف الدستور من 115 مادة، رفضت فرنسا بعض بنوده، خاصة تلك المتعلقة بالاستقلال التام. ورأت أن ذلك يفقدها الكثير من صلاحياتها. وفوجئت الجمعية التأسيسية بصدور بلاغ رسمي فرنسي، يطالب بحذف المواد التي تنص على الاستقلال والوحدة، و خاصة المواد الست وهي (الأفضل ترتيب تسلسل المواد بحيث يصبح 2، 73، 74، 75، 110، 112)[16]، التي جاءت في صلب الدستور قبل مناقشته، وذلك بحجة أن الحكومة الفرنسية، لا يسعها الموافقة على حرمانها من الوسائل التي تساعدها على القيام بالواجبات الدولية التي أخذتها على عاتقها.

هذا يؤكد أن كل ما قامت به فرنسا بعد تشكيل الجمعية التأسيسية، ما هو إلا عملية خداع الشعب السوري، الهدف منه إدخال الحركة الوطنية في متاهات لتنحيتها عن القيام بواجبها الرئيسي المتمثل في المقاومة العسكرية، وإشغالها في أروقة السياسة التي لا تنتهي. رفضت الجمعية حذف المواد رفضاً باتاً، فأجل المفوّض السامي اجتماعات الجمعية لمدة ثلاثة أشهر، ثم مددها ثلاثة أشهر أخرى، ثم أجل اجتماعها إلى أجل غير مسمى[17].

وفي عام (1930) أجرت فرنسا محاولة ثانية للوصول إلى تسوية مع القوى الوطنية السورية، وذلك بالاعلان عن نشر دستور جديد، يتألف من نفس مواد الدستور القديم مضافاً إليها مادة تقضي بوقف تنفيذ المواد التي تمس صلاحيات الانتداب، مما أدى بالشعب السوري إلى الانتفاض مجدداً بوجه محاولات الاحتلال الفرنسي في مس سيادته وكرامته الوطنية. وعمّت المظاهرات والإضرابات مختلف أنحاء البلاد[18]. التدخل الفرنسي الخطير، وبهذه الطريقة، كان سبباً لتجدد الاستياء والاستنكار في جميع المدن السورية. وعند حلول الذكرى السنوية لافتتاح الجمعية التأسيسية، عقدت اجتماعات في دمشق وحلب، وأرسلت برقيات الاحتجاج إلى عصبة الأمم وإلى المفوض السامي. وكانت هذه المناسبة وسيلة لدعوة السوريين في داخل البلاد وخارجها إلى الوفاق والاتحاد[19].

اجتمعت معظم القوى الوطنية آنذاك في حزب الكتلة الوطنية[20] الذي أخذ على عاتقه مسألة تخليص سوريا من الاحتلال الفرنسي وإقامة دولة سورية مستقلة ذات سيادة، بالإضافة إلى قوى وطنية أخرى اختلفت معه في تفاصيل سياسته، وإن لمم تختلف في الهدف العام الأساسي المبني على استقلال سورية وحريتها، مثل حزب الشعب بقيادة الدكتور عبدالرحمن شهبندر، وعصبة العمل القومي والحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي دخل في صراع مع السلطات الفرنسية في لبنان الذي كان خاضعا لسلطات الانتداب الفرنسي. حيث اعتبرته السلطات الفرنسية حزباً غير شرعي.

وصل النضال الجماهيري إلى ذروته إثر مهاجمة الشرطة التابعة للاحتلال مقر حزب الكتلة الوطنية في حلب بعد ذكرى تأبين أربعينية إبراهيم هنانو عام(1935). فاجتاحت المظاهرات الشوارع والساحات، وأُعْلِنَ الإضراب، الذي دام ستين يوماً، في كافة المدن السورية، وقد عُرِفَ بالإضراب الستيني الشهير، الذي اشتركت فيه أغلب القوى السياسية والاجتماعية من مختلف المذاهب والمشارب، وحمل الدلالة الكبرى على وحدة الشعب السوري في آماله وتطلعه إلى الحرية والاستقلال.

وقامت السلطات الفرنسية بحملة اعتقالات كبرى بين المواطنين، في محاولة لقمع الإضرابات والمظاهرات بعنف، قبل أن تكتشف استحالة مواجهة إرادة شعب بكامله. فأطلقت سراحهم بعد نجاح الإضراب في الوصول إلى أهدافه[21].

من ناحية أخرى نجح الملك فيصل الأول(ملك سوريا السابق)، والذي كان قد أصبح ملكاً على العراق، في عقد معاهدة مع بريطانيا منحت العراق بعض الحقوق في الاستقلال، مما ترك أثراً كبيراً في سوريا، وأصبح المطلب الشعبي للحركة الوطنية عقد معاهدة مع فرنسا على غرار المعاهدة العراقية البريطاينة. وبعد مفاوضات استمرت ستة شهور، توصّل الوفد السوري المفاوض (الذي ترأسه الزعيمان هاشم الأتاسي وفارس الخوري) مع الحكومة الفرنسية في باريس في التاسع من أيلول عام (1936) إلى عقد “معاهدة صداقة وتحالف بين فرنسا وسوريا”، وقد استُقْبِلَ الوفد المفاوض لدى عودته إلى سوريا استقبال الفاتحين، وجرت له في كل بلدة سورية مر بها احتفالات مشهودة.[22]

وعلى إثر المعاهدة انعقدت في سوريا عام 1936 انتخابات لتشكيل مجلس نيابي سوري (برلمان)، فازت الكتلة الوطنية بأغلبية مقاعده، بعد هزيمة القوى المؤيدة للاحتلال والمتعاونة معه هزيمة ساحقة. في ذلك الوقت، عام (1939)، ظهرت مؤثرات محلية وإقليمية ودولية عديدة أثرت، على وضع سلطة الانتداب الفرنسي في سوريا، أهمها الموضوع الدولي وبروز قوى دولية جديدة إلى الساحة، أخذت تلقي بظلالها على الهيمنة المطلقة للقوتين الاستعماريتين الكبيرتين آنذاك (فرنسا وبريطانيا). وفي فرنسا نفسها وصل إلى السلطة تحالف الجبهة الشعبية الذي ضم في صفوفه القوى اليسارية الفرنسية (الاشتراكيون والشيوعيون) برئاسة ليون بلوم، وارتأت السلطة الجديدة أن تصل إلى نوع من التفاهم مع القوى السياسية الممثلة للشعب السوري، كي تتجنّب بذلك الضغوط التي تشكلها نضالات هذا الشعب في سبيل الحرية، وتظهر بمظهر المتفهّم لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها[23]. إلا أن فرنسا، التي ساءها حصول الشعب السوري على أي من حقوقه الوطنية، أخذت تتراجع شيئاً فشيئاً عن بنود المعاهدة. ورفض الموظفون الفرنسيون تسليم سلطاتهم إلى الحكومة السورية المنتخبة. وتردَّت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وأخيراً قامت السلطات الفرنسية عام (1939) بحل البرلمان السوري المنتخب من قبل الشعب، وأخذت زمام السلطة مباشرة في عودة للحالة الاستعمارية السابقة، منهية بذلك مفاعيل المعاهدة نهائياً. ولم تكتفِ السلطات الاستعمارية الفرنسية بذلك، بل ساهمت في مؤامرة رتبتها مع كل من بريطانيا وتركيا على لواء الإسكندرون، حيث ساهمت في سلخه عن وطنه الأم، و تسليمه إلى الحكومة التركية (التي ضمته إلى إقليم كيليكية) بعد انسحاب قواتها في 23 تموز من عام (1939) متجاهلة بذلك حق تقرير المصير للشعب العربي السوري في اللواء رغم اللجان التي زارت اللواء، وأثبتت وجود أغلبية عربية فيه من حقها تقرير مصيرها بكامل حريتها وفقاً للمواثيق الدولية آنذاك[24].

تنازلت فرنسا عن سلطتها لتركيا طمعاً في كسب وُدِّها، في الوقت نفسه الذي كان شبح الحرب يلوح في الأفق. ولقد كانت هذه الخطوة صفعة أليمة للمواطنيين السوريين، الذين شعروا بالمزيد من خيبة الأمل حين أعلنت حكومة فيشي، التي تأسست بعد استسلام فرنسا في تموز عام (1940) عن استمرار الانتداب.

ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، حاولت فرنسا أن تعيد سيطرتها الاستعمارية على بلاد الشام (وخصوصاً سوريا)، وأخذت تماطل في تسليم كافة السلطات للحكومة السورية الشرعية، فاندلعت الاضطرابات في كافة أنحاء الوطن السوري، لتأكيد حق الشعب السوري في الاستقلال التام والناجز. إلا أن القوات الفرنسية واجهت تلك الهبة الشعبية بعنف منقطع النظير مستخدمة القوة المفرطة بحق المتظاهرين العُزَّل، وارتكبت  مجازر مروعة بحق السكان الآمنين، وأنزلت قواتها إلى الشوارع، وقصفت الأحياء السكنية في دمشق والسويداء وغيرها من المدن بالطائرات، وأنهت مسيرة القمع هذه بمجزرة مروعة، ارتكبتها في مبنى البرلمان السوري، عندما رفضت حاميته المكونة من رجال الدرك السوري أمراً بإنزال العلم السوري عن البرلمان وتسليمه للقوات الفرنسية، التي قامت بقصفه بمختلف أنواع القنابل وتدميره، مما أدى إلى استشهاد أفراد حاميته الأبطال ( سوى واحد نجا بأعجوبة، وأصبح يعرف باسم الشهيد الحي)، وذلك في التاسع من شهر أيار عام (1945). وتم إنزال العلم السوري من فوق البرلمان وسط جثث هؤلاء الرجال الشجعان[25].

لم تؤد العمليات الوحشية التي مارستها قوات الاحتلال الفرنسي إلى وأد جذوة النضال والكفاح لدى أبناء الشعب السوري، الذي استمر في مقاومة الاحتلال بكل السبل المتاحة. وكانت الظروف الدولية التي تبعت الحرب العالمية الثانية غير مؤاتية، كي تستمر فرنسا في سياساتها الاستعمارية. حيث طالبت بريطانيا بوقف أعمال القتال وإعطاء السوريين ما وُعدوا به. وهدد تشرشل رئيس وزراء بريطانيا بتدخل عسكري. وبالفعل دخلت قوات بريطانيا إلى سوريا عام  (1945)، في مسعى لتهدئة الأوضاع. ومن ثم تم عرض المشكلة على مجلس الأمن، الذي صوّت على انسحاب قوات الاحتلال بمختلف جنسياتها من الأراضي السورية واللبنانية، حيث أصبحت كل منهما دولة مستقلة معترفاً بها في منظمة الأمم المتحدة.

كانت الحرب العالمية الثانية قد ألقت بظلالها على العالم آنذاك، ودخلت قوات الحلفاء (فرنسا وبريطانيا) في حرب ضروس مع قوات المحور(ألمانيا وإيطاليا واليابان)، وشهدت سوريا صراعاً بين القوات الفرنسية التي كانت تابعة لحكومة فيشي (الموالية للألمان) وقوات حكومة الجنرال ديغول (المتحالفة مع الحلفاء)، حيث تمكّنت القوات المتحالفة من إخراج قوات فيشي من سوريا في تموز من عام (1941). على إثر ذلك أذاع الجنرال كاترو (باسم ديغول) بيانه الشهير، الذي وعد فيه سوريا ولبنان بالاستقلال وحق تقرير المصير.

وبناء عليه، في عام (1942) أجريت انتخابات نيابية، فازت فيها الكتلة الوطنية، التي كانت تمثل أولئك السياسيين الوطنيين، الذين يمثلون الطبقات التقليدية ويتفاوضون مع فرنسا بين الحربين حول الاستقلال. وفي آب (1943) انتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية السورية، وتألفت حكومة جديدة برئاسة سعد الله الجابري[26]. وفي عام (1945)، أي في نهاية الحرب العالمية الثانية، قررت فرنسا الجلاء عن سوريا، وأنهت ذلك في 17/4/1946، مخلفة وارءها نواة للجيش السوري، فيه ضباط طامعون ومتطلعون إلى الحكم، اتخذوا الجيش أداة للوصول إلى السلطة.

يقول الدكتور نيكولاوس فان دام: “فضل الفرنسيون تجنيد مختلف الأقليات الدينية والعرقية كالدروز والإسماعليين والعلويين والمسيحيين والأكراد والشركس. وسياسة التجنيد الفرنسية هذه اتبعت تقليداً رسمته القوى الاستعمارية في العديد من الدول التابعة لها، والتي دعمت العائلات العربية السنية الثرية صاحبة الأراضي، وذات النشاط التجاري، التي قادت الحركة القومية العربية أثناء الاحتلال الفرنسي، دعمت بصورة غير مباشرة الاتجاه نحو التمثيل القوي للاقليات في الجيش السوري، وذلك برفضها إرسال أبنائها للتدريب العسكري، حتى كضباط، كما احتقرت في كثير من الأحيان الجيش كمهنة”[27].

وقال الكاتب البريطاني باتريك سيل عن الكلية العسكرية بحمص بوصفه: “مكاناً للكسالى المتمردين المتأخرين دراسياً أو المغمورين اجتماعياً، (الذين لم يحصلوا على مجموع مرتفع في الثانوية يسمح لهم بدخول كليات الطب والهندسة)، وهناك قلة من الشباب دار في خلدها الانتساب إلى الكلية دون أن تكون مخفقة في الدراسة، أو أن يكون أفرادها مفصولين من المعاهد”[28]. وثمة عامل اجتماعي اقتصادي شجع أبناء الأقليات (وخاصة العلويين)، على الالتحاق بالجيش، ألا وهو الفقر، حيث تعيش معظم الأقليات في الريف أو الجبال التي لا تصلح للزراعة، بالإضافة إلى توفر فرصة التسلق الإجتماعي والتمتع بحياة أكثر رفاهية عن تلك التي يوفرها القطاع الزراعي. وقد شكل هذا الحافز أهمية أقل بالنسبة لسكان المدن الكبرى ومعظهم من السنة. وأخيراً، فإن سكان المناطق المدينية كثيراً مابدا لهم الأمر أيسر في تجنّب الخدمة العسكرية عن أمثالهم بالمناطق الريفية، وذلك عن طريق سدادهم لرسوم الإعفاء من الخدمة[29].

ومن الجدير بالذكر أن الاستعمار الأوروبي عامة والفرنسي خاصة، ما كان يترك البلد حتى يبني فيه ركائز من أنصاره يشغلون وظائف الحكم والجيش والإدارة، ويتأكد من إبعاد الإسلاميين والمعادين لسياسته عن ذلك كله.

وتتويجاً لنضال طويل مليء بالتضحيات والبطولات، خرج أخر جندي أجنبي من الأراضي السورية في السابع عشر من نيسان عام (1946)، وأصبح يعرف بيوم الجلاء، العيد الوطني لسورية. وفي اليوم ذاته جرى أول احتفال بعيد الجلاء، حيث ألقى فيه الرئيس شكري القوتلي خطاباً هنأ فيه الشعب السوري على هذا الانتصار العظيم.

[1]مراسلات حسين-مكماهون: هي تبادل الرسائل بين عامي 1915و1916 بين حسين بن علي (شريف مكة) وهنري مكماهون حامل لقب سير الممثل الأعلى لبريطانيا في مصر، وكان موضوع الرسائل يدور حول المستقبل السياسي للاراضي العربية في الشرق الأوسط، حيث كانت المملكة المتحدة تسعى لإستثارة ثورة مسلحة ضد الحكم العثماني. وعد مكماهون حسين بن علي باعتراف بريطانيا بآسيا العربية كاملة دولة عربية مستقلة إذا شارك العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية. وهذا ما تم خلال الثورة العربية الكبرى. رأى القوميون العرب وعود مكماهون في رسائله على أنها  عهد بالاستقلال الفوري للعرب.

[2] -(نجاة) قصاب حسن: جيل الشجاعة حتى عام 1945، مذكرات (ج 2) ص31، ط 1 ، طابع ألف باء –الأديب – دمشق-1994.

[3]– غسان محمد رشاد (الدكتور): من تاريخ سوريا المعاصر  1946- 1966،أوراق شامية،  ص9، ط1،  مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، عمان 2001 .

[4] – جوزيف حجار (الدكتور): سورية بلاد الشام (تجزئة وطن، دراسة وملف وثائقي حول اتفاقية سايكس – بيكو، ص101، ط1،  دار طلاس للدراسات والنشر –دمشق- 19999.

[5]– انظر: نجاة قصاب حسن: جيل الشجاعة حتى 1945 ، ص46 ، مصدر سابق.

[6] -الشيخ عبدالقادر كيوان: من مواليد دمشق ومن العائلات العريقة ، كان من اشهر علماء دمشق في عصره، حث الناس على الجهاد ضد الفرنسيين في مساجد دمشق، وألقى  الخطب في الجوامع، وبعدها توجه هو وصحبه بأمر من يوسف العظمةة إلى ميسلون من محطة القنوات، انتهت معركة ميسلون باستشهاد 500-700 مجاهد، وعلى رأسهم يوسف العظمة والشيخ عبدالقاد كيوان و الشيخ كمال الخطيب ومحمد توفيق الدرة.

[7]– ( الدهامشة) عبدالله (الدكتور): سورية مزرعة الأسد 1963-2000م،  ص3، ط1،   دار النواعير، بيروت 2011.

[8] – جاسم محمد صالح: فيصل الأول (1883-1933) موقع رابطة أدباء الشام على الرابط:  http://www.odabasham.net/

[9]-(الأمينة) د.ماري شهرستان: تاريخ سورية تحت الانتداب الفرنسي 1920- 1946 على الرابط التالي: http://www.ssnp.info

[10]– أندرو راثميل: الحرب الخفية في الشرق الأوسط ،الصراع السرّي على سورية (1949-1961، ص14، ط1،  دار سلمية للكتاب 1997.

[11] – شادي حاجي: تشريع اضطهاد الشعب الكردي في سوريا بموجب الدستور والقانون والقضاء، ص4، دراسة خاصة –أبريل 20122،المركز الكردي للدراسات والإستثارت القانونية- ياسا، النسخة الالكترونية.

[12] -آزاد علي (الدكتور): دور الحركة القومية الكردية في كوردستان سوريا في الانتفاضة السورية خلال عام 2011، ص10،مطبعة جامعة دهوك 20122.

[13]– كمال أديب: تاريخ سورية المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011، ص66-67. ط2، دار النهار للنشر، بيروت-2012.

[14] -الثورة السورية الكبرى، من موسوعة ويكيبيديا الحرة. wikipedia.org/wiki

[15]– نجاة قصاب حسن: جيل الشجاعة حتى 1945، ص113-117، مصدر سابق.

[16]– أكرم الحوراني:  مذكرات ج1، ص48،  مكتبة المدبولي بالقاهرة, المكتبة الالكترونية، والكاتب هو سياسي سوري من مؤسسي الحزب العربي الاشتراكي، عضو في البرلمان وفيما بعد رئيساً للمجلس وتقلد مناصب عديدة منها نائباً لرئيس الحمهورية ومن المقاومين للاستعمار الفرنسي وأحد المطالبين بالاتحاد الفيدرالي مع مصر توفي في عمان 1996.

[17]– أكرم الحوراني : مذكرات ج1،  ص49.  مصدر سابق.

[18] – ستيفن هامسلي لونغريغ: تاريخ سورية ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي، ترجمة، بيار عقل، ص237-238،  دار الحقيقة ، بيروت.

[19]– الامينة د.ماري شهرستان: تاريخ سورية تحت الانتداب الفرنسي 1920-1946،على الرابط التالي: http://www.ssnp.info

[20]الكتلة الوطنية: هي حزب سياسي سوري لعب دوراً بارزاً في الساحة السياسية السورية خصوصاً في مقارعة الانتداب الفرنسي على سوريا(1920-1946) ووصفت بأنها أقوى الاحزاب السورية خلال الحقبة الديمقراطية. تعرضت الكتلة لعدد منن الانشقاقات الداخلية، وانسحب منها بعض قياداتها الكبيرة أمثال هاشم الاتاسي،وأعيد تنظيمها وسميت” الحزب الوطني السوري” و استطاعت السيطرة على أغلب مقاعد البرلمان بين 1936و1939 ومرة ثانية بين 1943و1947 ما مكنها من الحكم منفردة. كان للكتلة دور بارز في تشكيل الحكومات،. كانت شعبية الكتلة تتركز في دمشق ودرعا والقنيطرة والسويداء.

[21]– أكرم الحوراني: مذكرات ج1، ص111- 115. مصدر سابق

[22]-هؤلاء حكموا سوريا، محمد هاشم الأتاسي، على الرابط التالي:…………………………………………. http://syrianleaders.com/presidents/94/

[23]– هؤلاء حكموا سوريا، محمد هاشم الأتاسي،على الرابط التالي: http://syrianleaders.com/history/

[24]– انظر نجاة قصاب حسن:  جيل الشجاعة , ص157-161، مصدر سبابق.

[25]– أكرم الحوراني: مذكرات ج1،  ص385. مصدر سابق.

[26]– غسان محمد رشاد: من تاريخ سورية المعاصر ، ص11. مصدر سبابق.

[27]– نيقولاوس فان دام (الدكتور): الصراع على السلطة في سوريا، ص51، ط1، مكتبة مدبولي بالقاهرة 1995 .والمؤلف هو مستشرق هولندي وسفير سابق في العراق ومصر واندونسيا ، بدأ بدراسة اللغة العربية الفصحى عام 1964م، وكان ممن شجعه على دراسة العربية والده الذي درس العربية على يد المستشرق سنوك هورجرونج .درس فان دام العربية والعلوم السياسية الاجتماعية في جامعة أمستردام ، وبعدها حصل على الدكتواه في الأدب عام 1977م. درس تاريخ تاريخ الشرق الأوسط الحديث في جامعة أمستردام مابين أعوام (1970-1975)، له عدة كتب بالعربية والهولندية والإنكليزية، ومن كتبه بالعربية الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة، وهولندا والعالم العربي منذ القرون الوسطى حتى القرن العشرين.

[28] – (سيل) باتريك: الصراع على سورية، دراسة للسياسة العربية بعد الحرب (1945 -1958،  ص60-61, ط8،  مكتبة دار طلاس 2010. والكاتب هو صحفي بريطاني ومتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أجرى العديد من المقابلات مع القادة والشخصياتت البارزة في الشرق الاوسط وله العديد من الكتب منها: الصراع على سورية، الاسد والصراع على الشرق الاوسط، النضال من أجل سوريا(1965)، وكتب أخرى، متزوج من رنا قباني ابنة السفير السوري السابق لدى الولايات المتحدة الامريكية.

[29]– نيقولاوس فان دام (الدكتور): الصراع على السلطة في سوريا،  ص53. مصدر سابق.

يتبع..

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن اللقاء بين قنصل بريطانيا في حلب ومصطفى شاهين عضو البرلمان السوري عام 1945

سجلات الكرد، الإقليم و الثورة والقومية 1831-1979 مصادر وثائقية بريطانية اصدارات أرشيف جامعة كامبريدج المجلد ...