الرئيسية | مقالات | هوشنك أوسي: عن الشرعيّات المفقودة في سوريا
صورة هوشنك أوسي: كاتب وباحث كردي سوري

هوشنك أوسي: عن الشرعيّات المفقودة في سوريا

هوشنك أوسي_كاتب وباحث

 

كل طرف من الأطراف المتقاتلة في سوريا، يتحدّث عن الشرعيّة بغزارة ونهمٍ لا نظير لهما، على أنه خيرُ من يمثّلها، دون منازع، وأن الطرف الخصم – العدو، فاقد الشرعيّة. النظام السوري، يقدّم نفسه شرعيّاً، بدليل أن المجتمع الدولي ما زال يعتبره الممثل الشرعي لسوريا الدولة والشعب والدستور، وإن المعارضة، غير شرعيّة، وإرهابيّة، تابعة لأجندات إقليميّة ودوليّة تستهدف ضرب الشرعيّة في سوريا. كذلك المعارضة، من أقصى “الاعتدال” إلى أقصى التكفير والإرهاب، تعتبر نفسها الشرعيّة، وأن النظام الأسدي فاقد الشرعيّة، مع سرد الأسباب التي تستند عليها هذه المعارضة. وبين هذين الفسطاطين الرئيسين ثمّة محاور أخرى داخليّة، تخوض غمار التطاحن على نسب الشرعيّة لنفسها، وإسقاطها ونفيها عن الخصم. وتمثيلاً على ذلك، الخلاف بين سلطة حزب “الاتحاد الديمقراطي” (الأوجلاني) السوري، والمجلس الوطني الكردي (البارزاني) في سوريا. ومن دون أن نغفل الخلاف وبل الصراع بين “جبهة النصرة” وحلفاءها وتنظيم “داعش” على شرعيّة من يحمل لواء “الجهاد العالمي”.

هذا التصارع والتطاحن على الشرعيّة ومن يمثّلها، يبدو وكأنّه بات ثيمة من ثيمات الشقاق السياسي الداخلي السوري ماضياً وحاضراً، كالخلاف على الشرعيّة بين جناحي حزب البعث سنة 1966، والصراع بين جناحي الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (اليسار-اليمين) سنة 1965، والصراع بين أطراف الحزب الشيوعي السوري، والصراع بين أطراف التيار الناصري في سوريا… وهكذا دواليك. وكل طرف يزعم لنفسه الشرعيّة وينفيها عن الطرف الآخر.

الحق أنه في الأوضاع والظروف الاستثنائيّة والطارئة، لا يوجد أي معنى للحديث عن الشرعيّة سواء لدى السلطة أو المعارضة في اي بلد كان. وبل أي طرف يكثر من الحديث عن الشرعيّة ضمن هكذا ظروف، يؤكد بأنه فاقد الشرعيّة على أكثر من مستوى، ربما آخرها؛ مسألة الكلام عن الشرعيّة.

مناسبة هذه الأسطر، ليست إعادة تأكيد المؤكّد على أن نظام الاسد فاقد للشرعيّة، حتى قبل اندلاع ثورة الحريّة والكرامة وحسب، وبل منذ انقلاب البعث على السلطة والدولة والمجتمع في 8/3/1963، وإنما الحديث عن لاشرعيّة نظام الأسد، بات لزوم ما لا يلزم، حتى لو بقي العالم يعترف بممثل هذا النظام ضمن الامم المتحدة. لكن في المقابل، ماذا عن “الائتلاف” السوري المعارض؟، هل أبقى لنفسه أيّة شرعيّة، بعد مرور هذه السنوات على تأسيسه؟. ذلك أنه لا يكفي أن تكون معارضاً لنظام غير شرعي حتى تكتسب صفة الشرعيّة. ومع ذلك، وبالعودة إلى الموقع الإلكتروني لـ”الائتلاف” السوري المعارض، وتحديداً في نافذة “ثوابت الائتلاف” نقرأ ما يلي: يلتزم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بالثوابت الوطنية للثورة السورية ويستند إليها في شرعيته. ومن أهم هذه الثوابت:

  1. الحفاظ على السيادة الوطنية واستقلالية القرار الوطني السوري.
  2. الحفاظ على وحدة التراب الوطني السوري.
  3. الحفاظ على وحدة الشعب السوري.
  4. إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه، وتفكيك أجهزة الأمنية بمحاسبة من تورط في جرائم ضد السوريين.
  5. عدم الدخول بأي حوار أو مفاوضات مع النظام.
  6. التأكيد على قيام سوريا المدنية التعددية الديمقراطية.

 

هذه “الثوابت” التي يعتبر “الائتلاف” أنه يستمدّ منها شرعيته، لم يلتزم بأيّ منها. فلا هو حافظ على السيادة الوطنية واستقلال القرار الوطني، عبر التبعية للمحاور الإقليميّة وتحديداً، لتركيا وقطر والسعودية. ولا هو حافظ وحدة التراب السوري، عبر خلق تغطية سياسيّة لـ”جبهة النصرة” وباقي المجاميع التكفيريّة المسلّحة على أنها “الجيش الحر” أو “الثوار”. وبل برر “الائتلاف” الاحتلال التركي لجزء من الاراضي السوريّة. كذلك لم حافظ على وحدة الشعب السوري، عبر تبني خطاب قومجي، عنصري، تجاه الأكراد، وخطاب طائفي تجاه العلويين والشيعة السوريين، وخطاب ديني، إسلامي – سنّي، تجاه المسيحيين. وفوق كل ذلك، لم يلتزم بعدم الدخول في مفاوضات مع نظام الأسد. بالإضافة إلى أن حديث “الائتلاف” عن “سوريا مدنيّة تعدديّة ديمقراطيّة” بات في حكم الدجل والافتراء، بعد تفاقم منسوب الحمولة القومجية والطائفيّة في الخطاب والأداء السياسي لدى “الائتلاف” ورموزه. كل ذلك، ناهيكم عن العطالة والفساد الضارب والمعشش في جسم “الائتلاف” ومؤسساته.

اعتقد أن فقدان الشرعيّة المتبادل بين نظام الأسد ومعارضته، المذكور آنفاً، يفتح قوساً لسؤال مؤلم ومرّ مفاده؛ من بقي للشعب السوري يمثّله، ويحظى بقدر من شرعيّة التمثيل، وسط هذا الفشل الدموي المزدوج لنظام الأسد ومعارضته؟!. وهل ثمة مخرج من نفق البؤس هذا؟! ومتى؟ وكيف؟!.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

عبد الباسط سيدا_ كاتب وأكاديمي محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس ...