الرئيسية | حوارات | يوسف سلامة: سيبقى التنوير والعقلانية هي الأساليب الأكثر فعالية في انتاج الوقائع الجديدة وتجنّب الحروب المدمرة… وعلينا ألا نخجل من الإعلان عن انتهاء حقبة القومية العربية واضمحلالها

يوسف سلامة: سيبقى التنوير والعقلانية هي الأساليب الأكثر فعالية في انتاج الوقائع الجديدة وتجنّب الحروب المدمرة… وعلينا ألا نخجل من الإعلان عن انتهاء حقبة القومية العربية واضمحلالها

أجرى المركز الكردي – السويدي للدراسات حوّاراً مطوّلاً مع المفكّر والباحث السوري، واستاذ الفلسفة الغربية سابقاً في كلية الآداب بجامعة دمشق د. يوسف سلامة، دار حول ما شهدته وتشهده المنطقة من تحوّلات ومآزق سياسيّة وثقافيّة وفكريّة، والأسئلة التي أفرزتها هذه المآزق والتحوّلات على الصعيد الفكري والثقافي والسياسي، ومحاولات استشراف المآلات والمخارج الممكنة. حيث ذكر سلامة وجهة نظره بخصوص الاستبداد في منطقتنا على أنه: يستند إلى أفكار مقدسة” مصنّفاً الاستبداد السياسي في المنطقة على أنه “صورة من الاستبداد الديني. وبالتالي فالحاكم المستبد في منطقتنا هو في مضمونه الحقيقي خليفة أو امام يدعي العلمانية”.

وأعلن سلامة إيمانه بثورة الحرية والكرامة في سوريا، رغم التشوّهات التي اعترتها والانزلاقات التي تعرّضت لها. معلّقاً على “ارتداد بعض المثقفين عن تأييد الثورة” بسبب هذه التشوّهات والانزلاقات بالقول: “خيبة الأمل موقف انساني، يمكن تفهمه” ذاكراً أن: “البنية المسيطرة على المثقف هي في الغالب بنية طوباوية. وتزداد هذه الطوباية قوة كلّما تخلّى المثقف عن ملكاته النقدية” وأن “التاريخ هزائم وانتصارات، وأول من ينبغي عليه أن يفهم ذلك هو المثقف”.

ووصف سلامة الحرب الدائرة في سوريا والمنطقة على انها: “في كل الأحوال هي نقمة على الشعوب. وتزداد نقمتها على الفئات الأضعف في المجتمع”. وإنها ” ليست بالأمر الذي قد ينتج حكمة، بقدر ما أن الحرب تنتج حذراً تجبر البشر على التفكير عندما يكونون على حافة حرب جديدة، بأن يتّخذوا من أشكال الحذر ما قد يجنّبهم الانخراط في حرب جديدة”. وذكر بإن “كل حرب في هذا العصر هي حرب كونية”. ومع ذلك، “سيبقى التنوير والعقلانية هي الأساليب الأكثر فعالية في انتاج الوقائع الجديدة وتجنب الحروب المدمرة”. وأضاف: “لا حدود للتنوير في أي مكان في العالم. فالتنوير في نظري هو الفعل الذي نناهض به كل اسطورة استقرت وهيمنت على العقول في هذه الحقبة أو تلك”. موجّهاً انتقاداً للفكر والمشروع القومي العربي بالقول: “علينا ألا نخجل من الإعلان عن انتهاء حقبة القومية العربية واضمحلالها، مما يفرض علينا أن نفكر في مفهوم جديد أو فكرة جديدة تكون مدخلاً فلسفياً ونظرياً وسياسياً يسمح بالتعامل مع الأوضاع القائمة”.

أدناه الحوار كاملاً…

 

هنالك مقولات عديدة حول ثورات الربيع العربي، تختلف في التوصيف وتشترك في التأكيد على غياب دور النخب الفكريّة في صناعة الحدث. ومن هذه المقولات ما اعتبر ذلك الغياب شيئاً إيجابيّاً، وأن القوة المجتمعيّة الشابّة هي صاحبة المبادرة، ومتجاوزة لإرث وتقاليد النخب السياسيّة والفكريّة المعارضة لنظم الاستبداد. ومنها ما اعتبر الأمر مثلباً ونقصاً كبيراً في بنية وصيرورة الحدث الثوري، اعتماداً على الفهم اليساري – اللينيني لماهيّة الثورات والقائل: “لا حركة ثوريّة بدون نظريّة ثوريّة وحزب ثوري”. الدكتور سلامة إلى أي التناولين أقرب؟ ولماذا؟

 

– من الوقائع الصارخة في أحداث الثورات العربية أو الربيع العربي انحسار دور النخب في هذه الاحداث إلى حدّ بعيد جداً. ولم يكن الأمر موضع اختيار، لا للثوار الشباب، ولا لإفراد النخب، بأن يكون الأمر على هذا النحو أو غيره. لقد كان من المفيد، بالتأكيد، أن تكون النخب حاضرة في هذه الأحداث من غير أن تكون قائدة وموجّهة لما حدث. كان يمكن للأمر أن يكون مفيداً من حيث أن النخب تمتلك معرفة وخبرة قد لايمتلكها الشباب. ولكن الشباب في المقابل يمتلكون شجاعة ومخيلة وتطلعات تتجاوز على الأغلب القيمة التي يمكن أن تقدمها النخب المتضاربة في أفكارها والمختلفة في رؤاها؛ خاصة وأن النخب لا تنتمي كلها إلى العصر، فبعضها تقليدي تراثي، وبعضها تقليدي ماركسي. وقلّ أن تجد من بين أفراد النخبة من يستطيع أن يقول شيئاً يتجاوز هاتين الرؤيتين إلا في حدود ضيّقة. باختصار؛ النخب عتيقة التفكير، وتطلّعات الشباب لا يمكنها أن تسترشد بما لدى النخب من أفكار هي الاقرب إلى الحكم التي يغلب عليها الإنتساب إلى عوالم قد بادت معظم عناصرها. لذا، موقفي هنا، موقف وصفيّ لما هو قائم، وهو في نظري، موقف أكثر جدوى في الوصف شبه الدقيق لما هو قائم.

ولكن من المفيد أن نقول: إن النظم الاستبدادية، كما أنها حاولت ضبط الشباب وشلهم والهيمنة عليهم واستيعابهم في الأطر الايديلوجية الزائفة التي تمّ انتاجها في صورة منظمات حزبية أو شبابية أو طلابية أو نسائية، كذلك هو الأمر بالنسبة إلى النخب. فالنظم احتجزت الكثير منهم في سجونها عشرات السنين، ونكّلت وهجّرت الكثير ممن لم يمتثل للعبة السلطة. والأخطر من ذلك أنها استولدت نخب زائفة، واستزرعت ضروباً من الفطور الضارة نشرتها في كل مؤسسات الدولة والمجتمع، ابتداءاً من الجامعات وانتهاءاً بالمدارس الابتدائية. كما أنها خلقت نخباً دينيّة جيّشتهم لاظهار الجانب الاسلامي (الزائف) الذي يختفي وراءه هذا الزعيم أو ذاك.

 

هل فعلاً؛ غياب المنظّر او الفيلسوف كان سبباً رئيساً واستراتيجيّاً في انزلاق الثورات نحو “الحروب الأهليّة”؟. ثم، ألا يمكن اعتبار تفشّي التطرّف والتكفير والتخوين، مؤشّراً على عطالة حركة الفكر والاستنارة في العالم العربي؟.

 

– لا يتعلق الأمر على الضبط بغياب المنظّر أو حضوره فقط، على الرغم من أن حضور هذا المنظر والفيلسوف والمثقف بصفة عامة كان ضعيفاً في أحداث الربيع العربي. الأمر يتعلق، وقبل كل شئ، بصورة العالم الراهن، وبالقواعد التي يستند تكوينه اليها . فوسائل التواصل الاجتماعي والميديا بكل جبروتها في عالم اليوم لعبت وستلعب الدور الأكبر في صناعة الراي العام وفي توجيه حركة الوعي الجماعية إلى حد كبير. ووسائل التواصل هذه مفتوحة للجميع، ولا يملك المثقف إلا صوتاً واحداً تماماً، مثله مثل أي شخص موجود في آخر الأرض. وفي هذه الفوضى الجماعية، كثيراً ما يغيب صوت الحقيقة، وتظهر الآراء الشعبوية مندفعة بكل قوة إلى عقول المستقبلين. فبنية الوعي السابقة، غالباً ما تكون مؤهلة لاستقبال الأفكار التي تبدو أيسر للوعي أن يهضمها ويتفاعل معها أكثر بكثير من قدرة الوعي العام على الاستماع إلى الأفكار التي تتطلب مراجعة ونقداً. يتضح هذا الأمر، بكل جلاء، عندما نراجع بعض أحداث الربيع العربي، ونستذكر أن كثيراً من الجهلة الذين يصفون نفسهم بأنهم شيوخ، كانوا أكثر تأثيراً من أكبر المثقفين. لقد حدد بعض هولاء لجمهورهم ما ييفعلون في منتصف الليل، وقد فعلوا. وحسبك أن ترجع إلى صفحات الفيس بوك لترى أن رجال الدين لديهم من المتابعين عشرات الملايين، فماذا بوسع المثقفين أن يفعلوا بعد أن تحالفت القوى الحاكمة في الاقليم مع أصناف من رجال الدين الذين يخدمون الاستبداد بأساليب لا حصر لها؟.

 

– هل للحروب والأزمات أي دور في تحفيز حركة الفكر والتنوير؟ والمساهمة في تعزيز دور المفكّر؟ وتصقيل أدواته في التحليل والتفسير، وصولاً للتنوير والتغيير؟ أم أن الحروب والأزمات تعرقل وتقوّض ذلك؟.

 

الحرب في كل الأحوال نقمة على الشعوب. وتزداد نقمتها على الفئات الأضعف في المجتمع. ولذا فهي تلحق أذى غير محدود بالمرأة والطفل. ولكن لا نستطيع الاجابة عن هذا السؤال، إلا إذا حددنا الزمن الذي نحيا في ظله. وزمننا اليوم هو زمن العولمة. وفي زمن العولمة تقل الخيارات لأن شكل الحرية الأقوى في مثل هذا الزمن هو حرية التجارة وحرية رأس المال. ولست أميل إلى أن التاريخ مدرسة للحكمة، يمكن للناس أن يتعلّموا منها ليتجنّبوا في الأزمنة التالية ما وقع فيه أسلافهم من خطأ. لكل حرب ظرفها وقوانينها والقوى التي شاركت فيها، والمصالح التي تمّ الدفاع عنها. وكل هذه العناصر ستختفي في كل حرب جديدة يمكن أن تقع حتى بالنسبة للشعب نفسه من جديد، خلال نصف قرن، أي فترة يمكن أن تفصل بين حربين. ولذا، فالحرب ليست بالأمر الذي قد ينتج حكمة بقدر ما أن الحرب تنتج حذراً تجبر البشر على التفكير عندما يكونون على حافة حرب جديدة، بأن يتخذوا من أشكال الحذر ما قد يجنّبهم الانخراط في حرب جديدة. فاذا سمينا هذا الحذر حكمة، فإن هذا العنصر سيكون هو المكسب الوحيد الذي تحصل للبشر من الحروب السابقة.

 

سيبقى التنوير والعقلانية هي الأساليب الأكثر فعالية في انتاج الوقائع الجديدة وتجنب الحروب المدمرة. غير أن موقعنا من الزمن والعالم لا يمنحنا قدراً كبيراً من الاختيار؛ لأن العناصر متداخلة والمتغيرات متشابكة والمصالح محركة لكل شيء، والتدخلات الخارجية لم يعد من الممكن السيطرة عليها. لقد تحطمت الحدود الجغرافية. وكذلك الأمر بالنسبة للحدود الثقافية والسياسية، وبالتالي لم تعد الحروب في عصرنا حروباً بين أعداء واضحين، يمكن التعرّف عليهم وتشخيصهم. كل حرب في هذا العصر هي حرب كونية. وتكفي نظرة سريعة لما يجري في اقليم الشرق الأوسط من سوريا إلى العراق إلى ليبيا، ليتأكّد المرئ من صحّة ما أقول. وهذه الكونية لا تعقّد المشكلات المحلية فحسب، بل تكاد تمحو الفروق بين المقاتلين من أجل الحرية والمدافعين عن الاستبداد والتخلّف والبربرية والهمجية.

 

الثورة السورية، بكل ما للكلمة – المفهوم من دلالات، إلى أين؟. والأزمة السوريّة، إلى أين؟. 

– لستُ متفائلاً، ولا أعتقد أن النظام مستعد لأن يعيد النظر في وجوده أو في سلوكه. الاستبداد في منطقتنا يستند إلى أفكار مقدسة أو على الأقل شبه مقدسة. شرعيته التي ينسبها لنفسه أقرب إلى الشرعية الدينية التي تستند إلى فكرة الحاكمية. ولكن حاكميته توحّد بين الله والانسان. أي أن مصدر الاستبداد أو شرعيته مستمدة من الحاكم نفسه. وبهذا يتجاوز الاستبداد في منطقتنا حتى فكرة الحاكمية في استبدادها. ومما يؤكّد هذا الاتجاه اللوينات الطائفية الروحية الخفية التي تستمدّ منها النظم المستبدة في منطقتنا احساسها بالمهدوية. بل إن جمهورها، أو قل: أكثرية المواليين لها، يشاطرون المستبد احساسه بأنه من طينة مقدسة أو يكاد. وانه إذا تخلّى عن منصبه، ضاعت البلاد والعباد. ولذا، ليس من المستغرب أن يتجرّأ البعض على اطلاق شعارات لاعقلانية، يهددون فيها بحرق البلاد، اذا انتصرت الثورة.

فالمقابل، تمكّن القوى الاقليمية والدولية، بالتعاون مع النظام، من انتاج بنى ارهابية صارت علماً على الثورة. وليست هذه هي حقيقة الثورة بل هي الصفة التي تواطئ الكثيرون على دمغ الثورة بها. ليس للثورة السورية حلفاء بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هناك أصحاب مصالح في سوريا، يتصرّفون على هذا النحو. فلا هم يتركون الثورة تسير في طريقها، ولا هم يؤيدونها بالمعنى الدقيق للكلمة. وكثير من البنى، التي تم انشاؤها باسم الثورة أو لحمايتها، تحوّلت الى بنى بيروقراطية معطّلة ومعرقلة؛ لأنها لا تملك الشجاعة – ولا حتى المقدرة – على انتاج رؤى سياسية تكون في خدمة السوريين فقط.

الخلاصة، هناك طريق مسدود، وأفق محدود للرجاء، ولا أظن أن النظام مستعد لأي حل. وأتمنّى ألا يكون مصير دمشق الذي ينتظرها شاهد على ذلك.

 

في سياق السجالات التي أفرزتها المتغيّرات والأحداث الأخيرة، ظهور مسألة الأقليّات كإحدى تجليّات أزمات ومآزق نظم الحكم والإدارة في دول المنطقة. ثمّة من يعتبر هموم وشجون وقلق الأقليّات وهماً وخرافة، منشأهما القوة الخارجيّة، الهادفة إلى تفتيت المنطقة. وثمّة من يرى العكس، وبأن عدم حلّ قضايا الأقليّات هو أحد مؤشرات فشل الدولة، وأن التعامي عن هذه القضايا هو ضرب من ضروب الاستبداد الفكري والسياسي الذي يعاضد النظم المستبدّة التي اندلعت في وجهها الثورات. أنتم، كيف تنظرون إلى المسألة؟ ومن أيّة زاوية؟.

 

– يعلم الجميع أن كمال أتاتورك تخلّص من فكرة الخلافة وما يرتبط بها من فكرة الجامعة الاسلامية عام 1924. وكل منصف يعلم أن تركيا قد حققت قدراً من التقدّم تُحسد عليه نتيجة قبول العلمانية الكمالية. ومن المؤكد أن كل تراجع عن هذه العلمانية سيفضي إلى خلق متناقضات لا حصر لها .

 

ومعلوم أن الملك فؤاد الأول في مصر، راق له أن يكون وريثاً لفكرة الجامعة الاسلامية، وأن يلعب دور الخليفة لجميع المسلمين. ونظَّر محمد رشيد رضا للدفاع عن هذه الفكرة . ومن حسن الحظ أن فؤاد مضى، ومضت أحلام الخلافة معه.

وما تلى ذلك ظهور فكرة الجامعة العربية أو القومية العربية بديلاً للجامعة الاسلامية. وظنَّ منظّروا القومية العربية أنه من السهل عليهم اهمال الأقليات واعتبارها ملحقاً تنتهي مشاكله بتوحيد الأمة العربية. وما حدث هو أن القومية العربية لم تقدّم، أو على الأقل، لم تنجح في تحقيق أي حل للمشكلات العربية. وهي فوق ذلك، فاقمت مشكلة الأقليات. واليوم علينا ألا نخجل من الإعلان عن انتهاء حقبة القومية العربية واضمحلالها مما يفرض علينا أن نفكر في مفهوم جديد أو فكرة جديدة تكون مدخلاً فلسفياً ونظرياً وسياسياً يسمح بالتعامل مع الأوضاع القائمة كما هي، وليس كما يريد البعض الذين ما يزالون يعيشون أوهام الجامعة الاسلامية أو أوهام الجامعة العربية.

أتحدّث بصراحة بالغة. وكل ما يحرّكني هو مصلحة سوريا، سوريا الممتدة من درعا إلى القامشلي وديريك والدرباسية والحدود العراقية. هذا معناه أنني لا أفهم سوريا بالمعنى الذي قصده أنطون سعادة. وبالتالي، علينا أن نتمتّع بوجدان نقي وعقل صافي لنتدبّر أمور هذا الوطن

أنا أدعو اليوم إلى فكرة جديدة هي فكرة (الجامعة السورية). وهي فكرة تتجاوز أفكارنا التقليدية عن الأكثريات والأقليات. فبمقتضى هذه الفكرة كلنا أكثريات. ما أعنيه بذلك أن نتفق على أننا جميعاً سورييون. وبعد ذلك، يمكن للمرء أن يكون ما يريد، سورياً كردياً سورياً عربياً سورياً أشورياً وهلمّ جراً. وهذا يعني أن فكرة المواطنة هي الفيصل في تنظيم العلاقات فيما بين الجميع. وفكرة العلمانية تدفع بنا إلى الانتقال خطوة إلى الأمام في اتجاه الحياة المدنية والديمقراطية. وبمقتضى (الجامعة السورية)، يمكن لكل سوري كردي مثلاً أو عربي أو غير ذلك أن يحكم نفسه بنفسه في اطار دستور جديد وأن يستخدم لغته في الإعلام والتعليم وما إلى ذلك.

هذه فكرة أولية تسمح لنا بالتخلّص من فكرة الاقليات والأكثريات، وتمنح حقوقاً متساوية للجميع، وتحقيقها مشروط بأمرين، الأول؛ تخطّي فكرة المظلوميات. لأن السوريين جميعاً مظلومون. والثانية؛ وضع دستور يتوافق عليه الجميع، ويسمح للجميع بأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، مع المحافظة على وحدة الدولة السورية الواحدة.

هذا اقتراح مطروح للنقاش، ويحتاج إلى قدر هائل من النوايا الطيبة والحسنة من الجميع. وليس عندي ما يدعوني إلى الشك بتوافر هذا القدر من النوايا. غير أن النوايا وحدها قد لا تكفي. فالانفتاح والعقلانية أمران مطلوبان من الجميع.

أرجو أن يكون خطابي قد خلى من الكلمة البغيضة (ولكن!).

 

ظهر في تركيا مفكر وعالم اجتماع اسمه اسماعيل بيشيكجي، وقف إلى جانب القضية الكرديّة وحقوق الشعب الكردي، وناهض حكومات العلمانيّة والإسلاميّة، ودخل السجون لعقود، وحكم عليه بما يزيد عن 200 سنة، ولكن بقي نصيراً مهمّاً لحقوق الشعب الكردي في تركيا وفي كل بلدان المنطقة. وظهر في العراق المفكر اليساري هادي العلوي الذي تخلّى عن جنسيّته احتجاجاً على مجزرة حلبجة. لماذا لم نعد نجد نماذج من طينة بيشكجي والعلوي في سوريا أو العراق؟.

 

– من الظلم أن يظنّ أن أنصار الشعب الكردي في سوريا والعراق قد انقرضوا تماماً. فعلى ما أعلم هناك الكثير من المثقفين الذين يناصرون القضية الكردية. غير أن مقارعة الاستبداد من جانب كثير من المثقفين، ربما تكون قد حجبت في اطارها الكلي ألواناً كثيرة وأطيافاً متعددة، على اعتبار أنها أجزاء من القضية الكلية المتمثلة في المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة للجميع. فأنا على الأقل شخصياً لا أعرف مثقفاً ناهض الاستبداد في سوريا وطالب بالديمقراطية للعرب فقط. ومنذ التسعينات من القرن الماضي زارني في قسم الفلسفة بجامعة دمشق الكثير من الصحفيين الكرد الذين كانوا يعيشون في أوروبا، ومن مناصري القضية الكردية من الأوربيين، وكانوا يسألونني عن الحقوق السياسية للكرد في سوريا. وكنت اجيبهم ببساطة: إن الحقوق السياسية مسلوبة من الجميع، وليس من الكرد وحدهم. وفي اليوم الذي يستعيد فيه السوريون حقوقهم السياسية، فسيكون هذا يوماً يحقق فيه الجميع حريتهم. ومازلت عند هذا الرأي. فلو أن الثورة السورية قد نجحت وحرمت أي فئة من الحقوق السياسية المتساوية، ما كنت لأعتبرها قد نجحت.

 

– هنالك الكثير من المثقفين والكتّاب والأدباء العرب، ممن يبدون دعمهم لحقوق الكرد في البلدان الأربع التي يتوزّعون عليها. وتظهر حماستهم لحقوق الكرد في إيران وتركيا، أكبر من حماستهم لحقوق هؤلاء في سوريا والعراق؟. برأيك، ما سبب وخلفيّات ذلك؟.

 

أنا معني بحقوق الكرد في سوريا التي حددت جغرافيتها قبل قليل. وهذا لا يعني أن موقفي الانساني من الكرد في تركيا أو العراق أو إيران مختلف عن موقفي من السوريين الكرد. ولكن، في اطار الممارسة السياسية، أشعر بأن من واجبي السياسي والأخلاقي أن أكون أقرب إلى هموم السوريين الكرد في هذه اللحظة.

ومنذ فترة، ناقشت رسالة لدرجة الماجستير باشرافي، في الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك، تحت عنوان: (الفدرالية حلاً للمشكلة القومية في إيران). ونال الكرد في إيران في هذه الرسالة نصيباً متساوياً مع غيرهم من القوميات التي تعيش في إيران. ومن حقهم التمتّع بالحقوق السياسية والثقافية والانسانية. تلك حقوق تم الدفاع عنها في تلك الرسالة للكرد والآذريين والعرب والبختياريين وغيرهم.

 

ثمّة أيضاً من يعلن دعمهم وتأييدهم لحقوق الكرد في سوريا والعراق، من الحكم الذاتي وحتى الانفصال، ثم يلحق هذا الدعم والتأييد، بـ “ولكن“. وما بعد “لكن” يبطل ما قبلها؟!. إلى أية درجة هذا الرأي صائب؟ ولماذا؟.

 

– أنا ضد كل شكل تتخفّى فيه (لكن) وأنا أدعو إلى الجامعة السورية دون تحفظ ودون (لكن)!.

 

بالعودة إلى التنوير وأسئلته؟. برأيك، هل وصل التنوير في الغرب إلى مرحلة الإشباع؟. وهل أسئلة التنوير في الغرب – إن بقي هنالك أسئلة هي نفسها أسئلة التنوير في الشرق؟.

 

– أعتقد أنه لا حدود للتنوير في أي مكان في العالم. والتفاوت الملحوظ في درجة الحداثة أو التحديث بين أجزاء العالم المختلفة لا يعني أن الأمم الأكثر تمدّناً، لم تعد في حاجة إلى التنوير. فالتنوير في نظري هو الفعل الذي نناهض به كل اسطورة استقرت وهيمنت على العقول في هذه الحقبة أو تلك. وبصورة أكثر جذرية: التنوير هو مناهضة للذهنية التي تعتقد أن للتقدّم حدوداً أو سقوفاً يمكن للانسانية أو لبعض شعوبها أن تصل إليه. وبهذا المعنى، الغرب سيظل مجبراً على ممارسة التنوير، اذا ما ظلّت الرغبة فيه قوية للحياة والتطوّر والتقدّم. إن سلب ما هو قائم، والمضي إلى ما وراءه، هو جوهر فعل التنوير دوما.ً

أما اذا التفتنا إلى اقليمنا من العالم، فسنتبين أن التنوير في مأزق. وقد كان كذلك دوماً. فالايديولوجيات الدينية والماركسية المنتشرة بقوة تؤمن بأن هنالك سقوفاً للتقدم ونهايات يمكن الوصول إليها. وليس هناك فرق في هذه النقطة بين الايدلوجيات السنية والايدلوجيات الشيعية. وبالتالي، يمكن النظر إلى التنوير على أنه فعل زائد عن الحاجة؛ لأن الإنسان الفرد في منطقتنا لم يولد بعد. الإنسان في منطقتنا طائفة أو اثنية أو طبقة. ولكن الفرد الذي يمتلك وعياً ذاتياً مستقلاً بذاته لم يولد بعد في منطقتنا إلا على نحو محدود وجزئي تماماً. فلا يمكن لأي مسلم سني إلا أن يقلد مذهباً فقهياً على الرغم من أن معظم الذين أسسوا المذاهب الفهية قد غادروا عالمنا منذ ألف عام أو أكثر. كما أن المؤمن الشيعي لا يكون كذلك، مؤمناً وشيعياً، إلا اذا قلّد أحد المراجع الدينية المعترف بهم. وبالتالي لا حاجة الى التنوير في الحالتين. وأنا أصنّف الاستبداد السياسي في منطقتنا على أنه صورة من الاستبداد الديني. وبالتالي فالحاكم المستبد في منطقتنا هو في مضمونه الحقيقي خليفة أو امام يدعي العلمانية.

 

 

مضافاً إلى السؤال السابق، في فترات الحروب والقلاقل والأزمات، هل كان أداء المثقف والمفكّر في منطقة الشرق الاوسط خصوصاً، والشرق عموماً، كأداء المثقف والمفكّر في الغرب؟. ما هي أوجه الاختلاف والتقاطع بين الأداءين؟.

 

– هذه المقارنة تغفل الأوضاع التاريخية المختلفة بين العالمين. عندما كان روسو وفولتير وكوندروسيه يدافعون عن الديمقراطية والحياة المدنية والتقدم، كانوا ينتقدون الكنيسة، ويهاجمون الاقطاع، وكانت البرجوازية الأوربية طبقة ناشئة أمكن لها أن تستفيد من أفكار هؤلاء الثوار العظام. وتعززت هذه الرؤى الثورية العظمية، بما كان قد تم التمهيد له في عصر النهضة، وفي مقدمات الاصلاح الديني. بعبارة أخرى، كانت التناقضات أوربية محلية. لقد كان من الممكن أن يكون للمحلية معنى. أما في عالمنا واقليمنا، فيكاد مفهوم المحلية أن يكون لا معنى له. العولمة اخترقت عالمنا، وقوانين الصراع السارية فيه اليوم كثير منها قوانين لم نخترها، ولم ن

يفكّر فيها أي طرف من الأطراف المتصارعة. لو عدنا إلى حقبة الثمانينيات في سوريا لوجدنا أن ألوفاً من الشباب السوريين، أمضوا عقوداً من حياتهم في سجون النظام. ومع ذلك، يكاد هذا التاريخ أن يُنسى. بالتأكيد، هناك خيانات من بعض المثقفين. ولكن أكثرهم يعيشون في المنطقة الرمادية. الحديث يجري بقوة من العالم الغربي عن حقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وكل ما قدّمته أوروبا للثورة السورية هو مساعدات مالية للدول التي استقبلت اللاجئين، حتى لا تتفجر فيها تناقضات اجتماعية تؤدي إلى مزيد من التهديد إلى الحدود الأوروبية . واليوم، أكثر المراجع العالمية، تفكّر في حصّتها من الاستثمار في اعادة الاعمار في سوريا، بأكثر مما يعنيها تحقيق الانتقال السياسي، وزوال رموز الاستبداد واشخاصه. في هذه البيئة يعيش الجميع ويعملون بمن فيهم المثقفون.

 

هنالك الكثير من المثقفين، تفاءلوا خيراً بالثورات، وأبدوا دعمهم ومساندتهم لها، ومنهم من انخرط فيها. وبعد انزلاقها نحو العسكرة والأسلمة، صرنا نرى حالة “ردّة” ثقافيّة عنها. ومنهم من يطعن فيها جهراً، ومنهم من يفعل ذلك سرّاً وتورية. ما تفسيرك لذلك؟.

البنية المسيطرة على المثقف هي في الغالب بنية طوباوية. و تزداد هذه الطوباية قوة كلّما تخلّى المثقف عن ملكاته النقدية. ونصف قرن متواصل من الاستبداد في سوريا خلق توقاً إلى الحرية والخلاص وحقوق الانسان والديمقراطية، جعل كثيراً من المثقفين يتورّطون في الانخراط في كثير من الأحلام، تعزيةً لأنفسهم عما لحق بهم من ظلم واعتقال أو بأهلهم وأقرانهم. خيبة الأمل موقف انساني، يمكن تفهمه. وبالتالي، فمن الطبيعي عندما تكون الفجوة واسعة بين الواقع والمثال، أن يسقط بعض المثقفين في ضرب من التراجيديا التي توحّد بين الندم وبين الاحساس بالعجز. فينجم عن ذلك كله ما نجم فعلاً. التاريخ هزائم وانتصارات، وأول من ينبغي عليه أن يفهم ذلك هو المثقف.

 

لو عاصر جان جاك رسو الثورة الفرنسية، وشهد ما شابها من انزلاق وحرب اهلية وإرهاب؟ هل كان ارتدّ عن أفكاره، والتي كانت أحدى المداميك الرئيسة للثورة في فرنسا سنة 1789؟

 

– هذا سؤال افتراضي ومن الصعب الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة. ولكنني أنطلق في الإجابة عن هذا السؤال، مع ذلك، من موقفي من الثورة السورية. فأنا مع الثورة بالرغم من كل تشوهاتها. أنا مع فكرة الثورة ومع مطالباتها العادلة. أما الانحرافات فهي أمور طبيعية، ما دام التاريخ لم يمت بعد. ولذا أقول: لو شهد روسو عصر الارهاب في الثورة الفرنسية، ما غيّر رأيه ولا فلسفته التي كانت احدى مقدمات الثورة. ومطلوب من كل المثقفين السوريين أن يدافعوا عن فكرة الثورة، وأن يعملوا ما استطاعوا، بأن يقرّبوا الفعل الثوري من الفكرة الحقيقة للثورة.

 

تشهد الساحة السياسية والثقافية الكثير من التنظيرات في الدولة الوطنيّة والديمقراطيّة. ولكن هذه التنظيرات، زد على كونها تفتقد إلى التجربة والتراكم العملي الذي يعتدّ به، أحياناً تشهد نكوصاً، حين يتعلّق الأمر في تحييد الدين عن الدولة، أو في قضايا الأقليّات وحقوقها. هل هنالك شيء من هذا القبيل؟. ام ثمة مبالغة في الأمر؟. وكيف يمكنك ترتيب أوليات حوامل النهضة في منطقة الشرق الأوسط؛ “التنوير؟ الإصلاح؟ التغيير؟”، إن جاز التعبير.

 

– سبق وأن قلت: إنني أدافع عن مفهوم (الجامعة السورية) الذي أعتقد أنه يشكّل، على الأقل، مقدمة لأن يصبح الجميع أكثريات. وهذه خطوة حاسمة في الاتجاه الصحيح. ولن تستقيم فكرة الجامعة السورية ما لم تكن علمانية وديمقراطية، ومرجّحة لحقوق الانسان على أي حق آخر. ودفاعي عن هذه الفكرة تعبير عن هاجس ينطلق من الرغبة في ملامسة الواقع والتنظير، له بدلاً من التنظير لواقع وهمي، أضعنا الوقت الطويل في الاعتقاد بوجوده، مع أنه لم يكن موجوداً.

أعتقد أن البداية الصحيحة في منطقتنا ينبغي أن تبدأ من المواجهة الصريحة والرفض غير المشروط للميليشيات السنية والشيعية التي دمّرت الوطن السوري. أشدّ أعداء السوريين خطراً هو هذه الكيانات المتخلّفة والمسلّحة بايديلوجيّات فاعلة، وبأسلحة قاتلة، وبمصارف مالية تكاد لا تنضب الحسابات فيها. وينبغي ألا يغيب عن البال أن النظام لا يقلّ همجية عن المليشيات المذكورة، ولا بدّ من تخطّيه بعملية انتقال سياسي تفضي إلى استرجاع السوريين كل حقوقهم وعلى رأسها الحقوق السياسية.

 

اذاً كل ما يؤدي إلى هزيمة التخلّف، في منطقتنا بصرف النظر عن ترتيب عناصره، يعد حاملاً ضرورياً للتقدم وللمصالحة مع التاريخ، من غير أي صورة من صور (ولكن).

 

_________________________________________________________________________________________

يوسف سلامة: أستاذ الفلسفة الغربية في جامعة دمشق حتى عام 2013، وباحث سابق في المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى. يرأس تحرير مجلة “قلمون” التي تصدر عن مركز “حرمون” للدراسات المعاصرة له. عدد كبير من المؤلفات المنشورة.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

تعليق واحد

  1. نؤيد ما جاء في مقال الأستاذ الدكتور يوسف سلامة بمجمله مع التحفظ على اعلانه وفاة القومية العربية ونشير إلى أن الجامعة السورية هي استبدال لتسمية الجامعة العربية وتغيير كلمتي العربية بالسورية لن يحل مشاكل السوريين وبقية الدول العربية ماهو مصيرها؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .